هل في القرأن حشو ( حاشا لله)،
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ ...
كثيرة هي الأيات التي يخاطب فيها تعالى جموع الرجال والنساء بالمسلمين فقط أو المؤمنين فلماذا كان التفصيل في هذه الأية .
الجواب بشكل مختصر
القرأن له بنيته الخاصة ولغته الخاصة ويجب أن تناسب كل العصور فهو كتاب الله المسطور والكون هو كتاب الله المنشور ، ليس في القرأن خطاب ذكوري ، قواعد اللغة العربية وضعت قبل أكثر من ألف ومئتي عام وأخضعت لها القرأن ثم أقفل عليها بالمفتاح .
قواعد التأنيث و التذكير أنشأها البشر في محاولتهم المقاربة بينه و بين كلام البشر معتقدين أنّ القرءان من نفس جنس كلام شعرائهم
فلو فهمنا أن التاء تأتي للتأنيث كما في الأية السابقة لكانت الأنثى مريم من الذكور في الأية التالية "و صدّقت بكلمات ربّها و كتبه و كانت من القانتين" التحريم:12
الواقع أن السر هو في بنية القرأن الخاصة فنون الجمع في القرأن هي درجة جمع عالية والتاء درجة أخفض وهي في مرحلة التوليد لذلك نلاحظ في قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ...) لم يقل جائتكم فلا توليد هنا فهم جاؤوا وهم. مؤمنين
وهذه بعض الأيات التي تبين أن لا علاقة للتاء بالتأنيث في القرأن بالضرورة
"فإذا برزوا من عندك بيّت طائفة منهم" النساء:81
"قالت الأعراب" الحجرات:14
"إلاّ الذي ءامنت به بنو إسراءيل" يونس:90
"زيّن للّذين كفروا الحياة الدنيا" البقرة:212
"و ما كان صلاتهم عند البيت إلاّ مكاءا و تصدية" الأنفال :35
ولنستزيد لنقرأ : "و النخل باسقات لها طلع نضيد (10) رزقا للعباد، و أحيينا به بلدة ميتا؛ كذلك الخروج" ق:11
فحسب القواعد بلدة مؤنث و كان يجب أن تأت ميتا بالتاء المربوطة "ميتة"وكان من الممكن أن تأتي الأيه بلدا ميتا فكلمة بلد وردت في أكثر من أية ولكن أتت التاء للتوليد والأحياء من ميتا .
وكالعادة تبدأ التعليلات فهناك من يرى أنّ ميتا مفعول مطلق حُذفت تاؤه و أخر أنّ بلدة مؤنث مجازي تقديره بلد و لكن لا يذهب الأسلاف أبدا إلى أبعد من هذا فلذلك الإعتماد على قواعد الأسلاف هو ضرب من الشلل الفكري.
لنقرأ : ربّ اجعل هذا البلد ءامنا"البقرة:126
"لا أقسم بهذا البلد" البلد:1
هذا يجعلنا ننتبه أنّ للتاء المربوطة في (بلدة) وظيفة عضوية في القرءان كآية و ليست علامة للجنس و أنّ الوظيفة بنيوية كما يظهر في كل لفظ في القرءان أي أنّ الحرف هنا في هذا المكان في اللفظ لوظيفة محددة معينة و ليس هناك شيء إسمه قواعد صرفية و نحوية و إن كان هذا هو الظاهر. و لو كانت التاء المربوطة علامة للتأنيث لورد لفظ "زوجة" في القرءان
لنلاحظ البلاغ القرأني
"و لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها و ادعوه خوفا و طمعا؛ إنّ رحمت الله قريب من المحسنين" الأعراف: 56
ولنقرأ تبرير السلف لهذا الخطأ المطبعي . فهم يقولون أنّ "قريب" صفة لخبر محذوف مذكر و تقدير الجملة "إنّ رحمت الله شيء قريب" أو "إنّ رحمت الله أمر قريب"!!!!
هل قائل هذا الهراء مصدّق أنّ كلام الله محكم،و كالعادة يعود أذكياء الأسلاف لإيجاد تبرير أكثر قبولا فيقولون أنّ المؤنث المعنوي "رحمة" يجوز تذكير صفته "قريب" أو تأنيثها "قريبة" و استشهدوا بقول امرئ القيس :
"له الويل إن أمسى و لا أم سالم قريب"
أرأيتم يا جماعة، لولا هذاالبيت الشعري لكانت أية القرءان باطل في باطل و حمدا لله أن أنقذ امرئ القيس القرءان من الزلل .فهؤلاء المساكين جعلوا القرءان تابعا لبنية الألفاظ في مجتمعهم فمتى شاءوا غيّروا هم القواعد لينهدم القرءان. و لو انتبه هؤلاء لرأو أنّ رحمت الله لا يمكنها أن تكون قريبة و هي لم تأت بعد. فالذي يوّلد الرحمة في هذه الأية هو الإحسان .
مزيد من الإيضاح
فنادته الملائكة و هو قائم يصلّي" أل عمران:39
و إذ قالت الملائكة" مريم 42 ـ 45
"فسجد الملائكة أجمعون" ص:73
"و لو ترى إذا يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم و أيديهم" الأنفال:50
"فكيف إذا توفتهمـ الملائكة" محمد:27
"إنّ الّذين قالوا ربّنا الله ثمّ استقاموا تتنزّل عليهمـ الملائكة ألاّ تخافوا و لا تحزنوا و أبشروا بالجنّة الّتى كنتمـ توعدون" فصلت:30
هذه الأيات لا تترك شكا أنّ الأمر أعمق من مجرد التأنيث المجازي أو السمعي. و أنّ الأمر متعلق بالبنية اللفظية تحديدا. فتأكيد القرءان أنّ الملائكة ليسوا إناثا و لا ذكورا بالمعنى الجنسي يجعلنا نطمئن أنّ ورود التاء في "تتنزل" و "نادت" و "توفتهم" لا يراد منها التأنيث و لنقرأ :
" و جعلوا الملائكة الّذين هم عباد الرحمان إناثا!!! أشهدوا خلقهم ؟؟ ستُكتب شهادتهم و يُسئلون (19) الزخرف
أشير هنا عابرا أنّ البنات ليس جمعا مؤنثا و لا البنين جمع مذكر أنّ لفظ البنين يجمع جنس الذكر و الأنثى في النون وإتهام الربّ بتوليد الإناث فقط يعني عجزه عن توليد الذكور و نقص في تكوينه و لا نستبين سبب هذا التقريع إلاّ إذا فهمنا أنّ الملائكة هم اللبنات الأولية في تكوين العالم الميت واللبنات الأولى في تكوين العالم الحي وهذا بحث أخر يطول .
فالكتاب المنشور ( الكون) يجب أن يتبع الكتاب المسطور ( القرأن) وبما أن الكون في توسع يجب أن نعرف يقينا بالتالي أن القرأن في توسع ومالم تجده في المسطور لن تجده المنشور فلن تجد في القرأن كافرات ولا عالمات ولا أنتِ أو
أنتنّ ولا هنّ ولا جمع مذكر أو مؤنث أو تقدير محذوف فالخطاب موجه للإنسان بدون تحديد للجنس إلا ما يفهم في السياق .
لنتمعن في هذه الأية:
"و لئن سألتهم من خلق السماوات و الأرض ليقولنّ الله؛ قل أفرأيتمـ مّا تدعون من دون الله إن أرادنى بضرّ هل هنّ كاشفات ضرّه أو أرادنى برحمة هل هنّ ممسكات رحمته؟؟ قل حسبىَ الله، عليه يتوكل المتوكلون" الزمر :38
لا يستطيع أي إنسان أن يقول أنّ من يُدعى من دون الله في هذه الأيات مجموعة إناث و لكن للكهنوت فنون في تثبيث قواعده و قبر ءايات القرءان. وهنا تأتي القاعدة الكبرى عند الكهنوت و هي تقدير المحذوفات و ملء الفراغات في النص القرءاني، فيعتبرون "هنّ" اللات و العزى و منواة و غيرهم ممن اعتبروه ألقابا مؤنثة و يخترعون ما لا يأت في الحسبان، و الأية ببساطة تقول أنّ ما تدعون من دون الله كلّهم و من دون إستثناء لا يمكنهم لا الكشف و لا الإمساك. فالنون في "هنّ" تدل على الإحتواء ضمن الجمع الأعلى كما قلنا. و لو تأملنا الأية قليلا لوجدنا الحديث عن خلق السماوات و الأرض و كان المفروض أن يأتي ضمير المذكر "هم" كما يزعمون للتدليل على قوّة التحدّي بدل مجيء "هن،ولا بأس أن نذكر هنا لمن يهتم بالرسم في القرأن ملاحظة أن الذي يكشف الضر هو من يخرجه فجاءت نون "هنّ" محكمة الإغلاق و الذي يمسك الرحمة هو من يقفل عليها فلا يتركها تخرج و جاءت نون "هنّ" مبسوطة مع ممسكات .
ومن نون الجمع الأعلى نستطيع أن نفهم الأية التالية : "و جآءه قومه يهرعون إليه و من قبل كانوا يعملون السيئآت؛ قال ياقومـ هؤلاء بناتى هنّ أطهر لكم فاتقوا الله و لا تخزون في ضيفى، أليس منكمـ رجل رشيد" هود :78
إنّ ضمير "هنّ" يظهر و كأنّه حشو عبارات إذ يستطيع القارئ حذفه دون أن يتغير المعنى. فما معنى إيراده في الأية ؟
إنّ النبي الكريم لوط يقول أنّ كل بناته أي من لقنهم منهجه وليس أولاده البيولوجيين الإناث دون تمييز أطهر للمعاشرة الجنسية وهذا هو سبب إيراد ضمير "هنّ" في هذه الأية.
لاحظوا البلاغ اللفظي
"هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات هنّ أمّ الكتاب و أخرُ متشابهات، فأمّا الّذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغآء الفتنة و ابتغآء تأويله، و ما يعلم تأويله إلاّ الله، و الراسخون في العلمـ يقولون ءامنّا به كل من عند ربّنا، وما يذكر إلاّ أولو الألباب" أل عمران :7
و هنا نجد الهندسة اللفظية البنيوية الخارقة في القرءان. فالأيات المحكمات التي هي اللبنات الأساسية أُمّا أي هي من توّلد المتشابهات و جاء ضمير "هنّ" ليعبر أنّ المحكمات هي لبنات القرءان كلّها دون تمييز، فحروف القرءان هي محكماته و القرءان ليس فيه حروفا فقط ففيه رموز و علامات و أرقام و فواصل و هذه هي محكماته و منها تنشأ الألفاظ ثمّ الأيات ثمّ السور ثمّ القرءان كلّه و كل هذه متشابهات وصولا إلى القرءان نفسه :
"الله نزّل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الّذين يخشون ربّهم
لو كانت قاعدة تقسيم الضمائر تخضع للتأنيث و التذكير لوجدنا في القرءان كل هاته الثنائيات:
أنا / ضمير مؤنث أنا
أنتَ / ضمير مؤنث أنتِ
أنتما / ضمير مؤنث أنتما
هما / ضمير مؤنث هما
أنتم / ضمير مؤنث أنتم
نحن / ضمير مؤنث نحن
و قد يتصور القارئ أنّ عدم مجيء هذه الصيغ الثنائية للتدليل على التأنيث محض صدفة و أنّ هذه الضمائر موجودة أساسا في اللغة استقى القرءان منها ألفاظه لكن محاسن الصدف أو مساوئها جعلت صائغ القرءان ينسى إستعمال هذه الضمائر كما ينسى الكتّاب إستعمال كثيرا من الألفاظ في نصوصهم و لا يمكنهم بحال الإحاطة بكل الألفاظ و إيرادها في نصوصهم، لكن الغريب أن تغيب ضمائر المؤنث المستخدمة في اللغة الجزيرية :
أنتِ
أنتنّ
إلى هذه الدرجة.
ونختم بالأية موضوع البحث
"إنّ المسلمين و المسلمات و المؤمنين و المؤمنات و القانتين و القانتات و الصّادقين و الصادقات و الصّابرين و الصّابرات و الخاشعين و الخاشعات و المتصّدقين و المتصدقّات و الصآئمين و الصآئمات و الحافظين فروجهم و الحافظات و الذّاكرين الله كثيرا و الذّاكرين أعدّ الله لهم مغفرة و أجرا عظيما" الأحزاب:35
لا شك أنّ اللغويين الأسلاف ليتفادوا المشاكل قالوا أنّ هذه للتأكيد على أنّ الذكر و الأنثى مقصودين في الأية و بهذا فقد قرروا أنّ في القرءان حشو عبارات و أكثرهم وعيا قال أنّ الإناث لا يدخلن في الخطاب القرءاني إلاّ بدليل منفصل كما في ءايات الأحزاب !!!!
و سأنقل هنا تعبير ابن تيمية الحرّاني بعد أن ساق أقوال المختلفين في دخول الأنثى في الخطاب القرءاني من عدمه قال:
"ثمّ لا خلاف بين الفريقين أنّ آيات الأحكام و الوعد و الوعيد التي في القرءان تشمل الفريقين (الذكر و الأنثى) و إن كانت بصيغة المذكر"
و نرى هنا بداية الإعتراف بحق الأنثى أن تخاطبها السماء كما تخاطب الذكر و إن كانت النافذة المفتوحة لا تترك الضوء يمر.
و الأية لا تقل هذا و لم تقله و ليس فيها حشو عبارات بل النون لإحتواء الكل و التاء لدفع المولود الجديد فمن هم أعلى درجة و من هم أخفض درجة كلهم ستنتظرهم المغفرة و الأجر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق