تعتبر حادثة الهجرة، من أبرز بل وأهم أحداث السيرة النبوية العطرة، وقد ذكرت كتب التراث تفاصيل هذا الحدث، وأضافت إليه الكثير، ونظرا ولأنه حدث فاصل في مسار الدعوة ، ولأهميته في كونه أهم أحداث السيرة النبوية قاطبة، فكان والأمر كذلك من المتوجب تحقيق أحداثه و وقوعها بذات النمط التي وردت عليه، أم أن هناك أشياء مغايرة لما امتلأت به كتب السيرة.
مفهوم الهجرة هي حرية التحرك من مكان إلى مكان آخر باختيار حروإرادة ذاتية، يرى فيهالمرؤأنه راغبا فيه ويرى فيه مصلحته، فإذا جاء التحرك رغما عنه، فيسمى في هذه الحالة إخراجا..وتهجيرا.!!
والرسول لم يكن حرا في اختياره بل مرغما مجبرا على الهرب وبذلك يكون قد هجر ( بضم الهاء )وأخرج ولم يكن مهاجرا.
إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ
وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ ...
– (( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ....
المشهور هو أن الله أعمى أبصار الكفار عن النبى (ص)لما خرج من بيته ووضع على رءوسهم التراب وفى هذا نقرأ فى السيرة النبوية "أمر رسول الله(ص)عليا أن يبيت موضعه ويتسجى بردت لئلا يرتاب أحد فى وجوده ببيته ويؤدى ما عنده من الودائع إلى أربابها ثم خرج ليلا والقوم يرصدونه بالباب فجعل يتلو يس إلى أن وصل إلى قوله تعالى "فأغشيناهم فهم لا يبصرون "فجعل يكررها ووضع على رؤوسهم التراب فلم يشعروا به وتوجه إلى بيت أبى بكر "(السيرة النبوية لأبى العيون ورخا ص39)
ونسوا الوضاعون أن الله لم يعطي الرسول ص أي معجزات .
وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون....)
ثم ينطلق الرسول وصاحبه الى الغار وهناك يقول له
إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُلِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا...))
فما يكون من الله ( حاشا لله ) إلا أن يرسل عليهم بثعبان لينهش يد أبي بكر ( حسب تراثنا المأفون ) .فسأله النبى (ص)فأجابه فتفل له على مكان اللدغ فبرأ الصديق من السم فى الحال .
وهنا نصل للحادثه الأشهر ذهب ناسجو الأخبار وواضعو الروايات في هذا هنا كل مذهب، فقالوا أن ثمة حمامتان كانتا ترقدان على بيضهما في عش أمام الغار،
أيضا قالوا أن الله بعث بحشرة العنكبوت لتبني بيتها الشبكي لتسد به فوهة الغار، وحين وصلت فرقة البحث عن الرسول وصاحبه، تقدموا إلى باب الغار فلما تراءت لهم الحمامة والعنكبوت قالوا أنه لا يعقل أن تبقى الحمامة في عشها إذا حدث واقترب أحدهم من العش، وكذلك بيت العنكبوت لا يمكن أن يستمر سليما إذا ما ولج أحدهم إلى داخل الغار، وعجت كتب التراث بمثل هذه الأقصيص وكأنهم لم يفقهوا قوله تعالى
((.... فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا....
فنفاجئ بأن هذه الجنود التي لا ترى حسب تراثنا المأفون هي العنكبوت والحمامه
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن ما كنه تلكم الجنود غير المرئية ؟
يجيب الحق على مثل هذه التساؤلات في سورة يس
{وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) }
أي أن ثمة غشاوة غشيت أعينهم فهم ينظرون لكنهم ليسوا بمبصرينبمبصرين ،هكذا كانت ثقة رسول الله في ربه، وعلى هذا النحو جاء تأييد الله تعالى .
تواترت الأقاصيص تحوي كثيرا من الخلط ، والعديد من الخيالات ، وأكثر منها الحبكات التي تدغدغ مشاعر العامة وترفع آهات الإعجاب إلى شفاههم، بل قد تصل بالبعض منهم إلى مرحلة قشعريرة الإعجاب، وذرف دموع التأثر من معاناة النبي وصاحبه في رحلة محفوفة بالكثير من المخاطر، والسير في الطرق الصخرية الوعرة ، ثم في النهاية الوصول بسلامة الله وحفظة إلى مشارف يثرب، حيث يرتفع تيار الشجن بترديد نشيد ترحاب مشجون، حفظناه صغارا ورددناه كبارا
طلع البدرعلينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع
ولا أريد أن أصدم مشاعر طيبو المسلمين والبسطاء منهم، بالجهر بأن هذا النشيد لا مكان له من الصحة، ولم يقل به أهل حضر ولا مضر.
هذه الكلمات المرحبة، لم تكن، ولم تخرج من أفواه المستقبلين للرسول على مشارف يثرب
أن البلدة المذكورة في هذا النشيد جاءت على الصورة " جئت شرفت المدينة " وهي ترمي إلى
المدين المدينة المنورة مدينة الرسول ، والحقيقة أنها كانت تدعى ذاك الحين " يثرب " ولم تسمى بالمدينه إلا مؤخرا
فموقعه الخندق وقعت في العام الخامس الهجري، وطبقا لما تناولته في
شبه إجماع كامل كل كتب السيرة النبوية.
ونقرأ في وصف المعركه في سورة الأحزاب
وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13)
أي أنه وحتى العام الذي وقعت فيه هذه الموقعة - الخامس الهجري - كانت البلدة تدعى " يثرب " فمن أين جاء المستقبلون بلفظة المدينة المذكورة في النشيد المزعوم ؟
وقد يقول قائل في دفاعه عن صحة النشيد، أن كلمة " المدينة " الواردة في النشيد هي صفة للبلد وليست إسما لها
وهذا يمكن أن يؤخذ في الإعتبار، لولا أن حاضرة شبه الجزيرة العربية والتي تحتوي بيت الله الحرام ألا وهي مكة
وهي البلدة الأضخم، والحاضرة الأقدم، وعاصمة البلاد ومقصد الحجيج ، لم يشار إليها ولو لمرة واحدة بصفتها مدينة
وإنما وردت جميعها بصفة البلد.
سبب ثاني وهو ذكر ثنيات الوداع وهى مكان توديع الحجاج ولم ينشىء هذا الإسم إلا بعد عدة سنوات لما فرض الحج حتى يودع الأهل الحجاج عنده
سبب ثالث هو أن القالب الأدبي للصياغة التي جاءت عليها كلمات النشيد ، لم تكن أصلا من كلام العرب..!! ، فالعرب حين يتكلمون ، إنما يتكلمون بواحد من صياغتين ولا ثالث لهما،
إما القالب الشعري وقد احتفى العرب بالشعر لدرجة أنهم عقدوا له أسواقا وعلقوا معلقات من مميز القصائد على جدر الكعبة.
وإما القالب النثري فقد تبارى فصحاء العرب في أسواق عكاظ وذي المجنة ومربد، مستعرضين كافة فنون الصياغة، وحسن البيان.
فكان والأمر كذلك أن برع العرب في النظمين نظم الشعر ، وسحر بيان النثر، لكن هذا النشيد لو نظرنا إلى قالبه لوجدناه لا يصنف في جانب الشعر، وأيضا لا يتصف بكونه نثرا.
فكيف نصنف نظم هذا النشيد ؟
واقع الأمر أن القالب الأدبي والذي جاء عليه هذا النشيد هو من صنف الأهازيج أو الزجل في مفهومنا الشعبي، وهذا الصنف من القوالب الأدبية لم يكن موجودا بالمرة وقت قدوم الرسول إلى المدينة، فكيف تسنى للمستقبلين من أهل يثرب أن يتناولوا مثل هذه الكلمات ويضعوها في مثل هذا القالب الذي لم يكن معروفا حتى ذاك الحين ؟
السر في ذلك يعود حقيقة الأمر إلى توقيت ظهور هذا النوع من القوالب الأدبية..!!
واقع الأمر أن هذه الصياغة ظهرت في أواخرعصر أمير المؤمنين العباسي هارون الرشيد، وذلك إثر التصفية الجسدية لفصيل فارسي كان شديد القرب من الحاكم، وحين توسم فيهم الغدر قضى عليهم بضربة واحدة فيما أطلق عليه المؤرخون مذبحة البرامكة، وبلغ من شدة حنقه عليهم أن حرَّم رثائهم نثرا أو شعرا ..!!
فما كان من مواليهم ومما ملكت أيمانهم من العبيد والإماء ، أن إبتدعوا نوعا وسطا فلا هو بالشعر كما أنه ليس بالنثر حتى لا يقعوا تحت طائل أمر المنع، وحتى يتقوا غضبة أمير المؤمنين. خصص هذا القالب المبتدع في رثاء السادة فتجده دائما مملوء بالشجن ميالا إلى النغم المحزون، مما حدا بمصنفيه إلى إلصاقه بالموالى حيث أطلقوا عليه إسم الموَال. وصارت هذه الصفة لصيقة به إلى يومنا هذا
بل وثبتت به وثبتت عليه.
أما قصه سراقه بن مالك فغنيه عن التعريف والخوض فيها فهي تحمل نبوئتين النبوءة الأولى : هي أن الفتوحات الإسلامية سوف تمتد لتبتلع قصور كسرى ومدائن الفرس.
النبوءة الثانية : هي أن العمر سيمتد بسراقة حتى تتم هذه الفتوحات
فهل يمكن لرسول الله أن يتنبأ بمثل هذه النبوءات ؟؟
الجواب قطعا سوف يكون بالنفي .. فرسول الله محجوب عنه الغيب شأنه شأن كل البشر. وهذا ناقشناه سابقا ...