الاثنين، 15 يونيو 2015

نوح عليه السلام ...2


يقول تعالى : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴿14﴾ العنكبوت
إن نوح قد قضى هذه الفترة مع نفس الناس يدعوهم، ولم يتعاقب عليه أجيالا من الناس كما توارثنا. لإن من بُعث فيهم هم بعينهم الأشخاص الذين عذبهم الله بالغرق بسبب كفرهم، ولو فُرض أن نوحاً كان معمرا فوق العادة وعاش 950 عاما فلابد أن قومه يكونوا قد عاشوا معه أيضا نفس المدة الزمنية. فما الحكمة في مد أعمارهم لهذه الدرجة أو أن يبقي نبي يدعو قومه كل هذه المدة ومعلوم أنهم لن يستجيبوا؟
السر يكمن في (ألف سنة إلا خمسين عاما ).
والله جمع السنة مع العام في جملة واحدة لنميز أن هناك فرق بينهما فما هو ؟؟
السنة والسنين في القرأن
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً (12)
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّـهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿5﴾﴾ سورة يونس
واضح تماما أن السنين هي حساب البشر وهذا الحساب يختلف بين أمة وأخرى فالسنه الهجريه تختلف عن الميلاديه، تختلف عن الرومانية ( السنة عشرة أشهر عند الرومان ) ،تختلف عن الصينيون القدماء (الحساب عندهم بطريقة الباكو واليوم ١٢ ساعة ) ...الخ.
ولذلك عندما ترد لفظة السنة والسنين في القرأن فهي بحساب القوم المخاطبين في النص للسنة ، ولنورد بعض الأمثلة :
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26)
يخبرنا الحق أن أهل الكهف لبثوا ثلاثمئة وتسع سنين ، ولكن بحسابهم هم أهل الكهف ، لذلك نجد أن سبحانه يأمره في الأية التالية مباشرة أن يقول الله أعلم بما لبثوا فالسنين يختلف حسابها بين أمة وأخرى كما قلنا ولا يجوز أن يخطئ الرسول في التبليغ .
قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47)
ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48)
طبعا مقدر المحذوف في سبع شداد هي سنين لأن السنة مؤنثة وتخالف المعدود (سبع) ولو كانت أعوام لأصبحت الجملة سبعة أعوام فالعام مذكر .
المجتمع هنا كان زراعياً، فقوله "قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا" أي سبعة مواسم متتالية، فتكون كل سنة عبارة عن موسم زراعي واحد، ففي السنة هناك موسم زراعي واحد وهو زراعة المحاصيل التي لها سنابل:
"... فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ..."
" ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِك
سَبْع شِدَادٌ" وهذا يعني بلا شك سبعة مواسم جدب وقحط .
حساب السنين في مصر كان تقاس بالموسم أي سبع مواسم وهي متوسط فترة زراعة القمح وحصاده التي تتراوح بين 6 سنين ( مواسم ) للقمح الصيفي و 8 سنين ( مواسم ) للقمح الشتوي. والنص القرآني يتحدث عن موسم زرعة قمح واحدة، بعدها ستمر نفس الفترة الزمنية كوقت جفاف، أما العام الذي يليه سيكون عاما مثمرا
ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49
فالعام في الأية التي تلت الأيتين السابقتين جاء ليؤكد أن السنة بحسابنا هي سنتين ( موسمين ) بحساب ذلك الزمان وهذا ما نستخلصه من الأية التالية
وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)
إذاً، ففي مجتمع يوسف كان هناك موسمان زراعيان: موسم الحصاد (ممثلاً بالسنابل والخبز) وموسم العصير (ممثلاً بالعصير والخمر)، لذا فالزراعة الحقلية هي سنة والعصير هو سنة ولكنّ الإثنتان لا يكونان في نفس السنة وإنما في نفس العام . .
ونبقى في مصر وحساب السنين بالمواسم لنجد قوله تعالى
وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130)
قوله "أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ ) ، أي القحط والجدب في المواسم الزراعيه ، وليست سنة (موسم) فقط بل كل المواسم أي القمح والذرة وغيره.
ومن هنا نفهم قوله تعالى في أهل الكهف بأنهم لبثوا ثلاثمائة سنين ( وليس سنة ) وازدادوا تسعا .
لاحظوا الدقة القرأنية في اللفظ
قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ (113
العادين وليس العاد فالأمم تختلف حسابات سنينها .
بعد أن عرفنا معنى السنين في القرأن فيجب أن نعرف ما هو العام في القرأن الكريم لنوحد المعادلة ( ألف سنة إلا خمسين عاما ) ونتعرف على عمر نوح عليه السلام ....يتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق