..حاشا لله
القرين ....الخليل
قرين
بشكل عام، مبدئيا، يمكننا القول بعموم، أن القرين هو صديق السوء،أي هو الذي يلازمك ممن حولك من الأشخاص، من أصحاب السوء، الذين لا يريدون لك خيرا.
فالقرين، لا علاقة له كما ادّعى التراث، بالغيبيات ممن لا نرى من مخلوقات، فالخبيثين للخبيثات، والطيبين للطيبات، ومن يعش عن ذكر الرحمن يقيض له قرينا من صنفه، وهذا أمر بديهي اتفقت عليه البشرية حتى في أمثالها، فكل يقع على شاكلته، وهذا هو مدلول القرين في القرءان الكريم، فالقرين هو من يلازمك من أصدقاؤك لغة، وهو شيطان الإنس، ولا ينصحك الا بالسوء، وهذا نجده في كل الآيات التي تتحدث عن القرين، والآيات التي تفصل ماهيّة القرين هي في قوله تعالى :
( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ يَتَسَآءَلُونَ * قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌۭ * يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ * أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ * فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ * قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ ) الصافات – 50:57
فقرين السوء، هو من شياطين الإنس ممن حولنا من المعارف والأصدقاء، وبالذات هو صديق ومعرفة السوء الذي يزيّن لنا السوء على أنه الحقّ، فوظيفتهم هي الصدّ عن السبيل، كما أغلب من حولنا من المفتريين على الله الكذب، الذين يبعدوننا عن القرءان الكريم، الى تراث لا أصل له ولا أحقيّة، مختلف متضارب متنوع التضارب، فيه من كل أصناف الإختلاف :
( وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَـٰنًۭا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٌۭ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ * حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَـٰلَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ * وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ) الزخرف – 36:39
وبالطبع يوم الحساب سيفرّ المرء من أخيه وصاحبته التي تؤويه، فكيف من قرين السوء الذي أغواه وأضله عن سواء السبيل، ومنعه من اتباع الحق، بل هم سيبقون يختصمون حتى بعد الحساب :
( وَقَالَ قَرِينُهُۥ هَـٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍۢ * مَّنَّاعٍۢ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍۢ مُّرِيبٍ * ٱلَّذِى جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُۥ وَلَـٰكِن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍۭ بَعِيدٍۢ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا۟ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ ) ق – 23:29
والحديث أبدا ليس عن جنّ التراث كما ادعوا، والذي لن نجد له في القرءان دليلا عليه، فالشياطين هنا هي شياطين نعلم من هم، ومنهم متخفيين منافقين لا نعلم بهم، يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول إذا خلا بعضهم إلى بعض :
( وَكَذَ ٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّۭا شَيَـٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ) الأنعام – 112
( وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ) البقرة – 14
فبكل وضوح نرى أن الله وصف بعض منهم بشياطين، وهم قرناء السوء لهم، فالقرين من الاقتران بالشيء، أي ملازمتهملازمته
خليل
الخليل فهو الذي يتفق معك فكريّا فيما تتخذه من اعتقاد أو شريعة ! ولا علاقة لها بمفردة الصداقة أبدا !
فكل مشكلتنا في الفهم التراثي العقيم، الذي اتكأ على سيبويه، والذي جعل من المفردات مترادفات، فأصبح حسب فهمهم العقيم، أن الله يتخذ أصدقاء من البشر أعزاء عليه كما افتروا عليه، سبحانه عما يصفون.
فالخليل في القرءان هو من تتفق معه في المنهاج سواءا كان المنهاج سيئا أم حسنا، من الله أم من الشياطين، فمن تتفق معه في منهاجه يكون خليلك، أي الذي يملأ الفراغ بينك وبينه بالفكر والمنهاج.
بترتيل الآيات لنرى ماهيّة الخليل كما يجب أن تكون مفصّلة في القرءان، الذي لم يفرّط من شيءٍ لكي يُحِقّ الحقّ ولو كره اللّاغون في القرءان الكريم، وأقرب الآيات التي تفصّل طبيعة وماهيّة الخليل هي في قوله تعالى :
( وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًۭا * وَإِن كَادُوا۟ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُۥ ۖ وَإِذًۭا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلًۭا * وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـًۭٔا قَلِيلًا * إِذًۭا لَّأَذَقْنَـٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًۭا ) الإسراء – 72:75
( وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلًۭا * يَـٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًۭا * لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِى ۗ وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِلْإِنسَـٰنِ خَذُولًۭا * وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَـٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِى ٱتَّخَذُوا۟ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ مَهْجُورًۭا ) الفرقان – 27:30
في مورد الإسراء، نرى بكل وضوح، أن النبي عليه السلام كاد أن يركن الى من حوله من المشركين شيئا قليلا، لولا أن ثبته الله تعالى، وهذه العملية، أي أن يركن إليهم، تكون حسب قوله تعالى بأن ( لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُۥ )، وهي العملية التي ينتج عنها اتخاذهم للنبي خليلا !
هنا يجب أن نتوقف ونتدبر الآيات جيدا، فكون النبي خليلا لهم لا يكون الا بافتراءه على الله، بتغيير ما أوحي إليه، أي بتغيير منهج القرءان الى منهج يناسب من حوله، فيكون متفقا معهم فكريا فيما يدّعونه، ويخالف القرءان الوحي، فلو افترى على الله بغير ما أوحي إليه لكان خليلا لهم، أي متفقا معهم في منهجهم وما يعتنقوه من فكر.
فالخليل من آيات الإسراء، حسب تفصيل الله تعالى، يكون نتاج اتفاق منهجي موحّد بين طرفين.
وكذلك في آيات الفرقان، فهنالك اتجاهان فكريان، تم طرحهما، ( مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلًۭا ) و ( هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ مَهْجُورًۭا )، فالظالم كان أمامه وما زال حتى يومنا هذا خيارين، أن يتخذ مع الرسول سبيلا باتباع القرءان وعدم هجره، أو أن يتخذ سبيل الغيِّ من سبل الشياطين، فيكون لهم خليلا !
فاتخاذه ( فُلَانًا خَلِيلًۭا ) نتاجه أن فلانا ( أَضَلَّنِى عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْجَآءَنِى )، أي من بعد علم بمنهج أخر، فتركه الى منهج السوء والضلال!
ولا علاقة للصداقة هنا بشيء، فالأخلاء يوم الحساب بعضهم لبعض عدو الا من اتقى، لكونهم متفقين في المنهج الذي هم فيه، بغض النظر صاحبوا بعضهم البعض أم لا، فبمجرد اتفاقك مع فلان بمنهجه الفكري تكون خليلا له، كما ولو، ركن النبيّ عليه السلام اليهم، فلو فعل ذلك لأتخذوه خليلا، وهذا لا علاقة له بالصاحب والصديق كما ادّعى البعض، وإلا أصبح في القرءان اختلاف حين يقول تعالى عن المشركين والنبي بكونهم من أصحابه ( وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ ) التكوير – 22 ، فالصاحب لا علاقة له بالخليل لا من قريب ولا من بعيد، فكل مفردة لها مدلولها .
الخليل هو من يتفق معك في منهجك الفكريّ لغة، أو في اتباع السبيل السويّ السليم الحنيف كما في ابراهيم، وهو من المبدعين في مليء هذا الفراغ بين السماء والأرض!
فإبراهيم، عليه السلام، لم يأته رسالات، وعبد القمر والشمس، بعد أن استنكر عبادة الحجارة الصغيرة التي نصنعها بأيدينا، ومن ثم عرف بوجود خالق لكل هذا الكون، يختلف عن كل خلقه، فوصل الى الله بدون وحي ولا رسالة، بل بالتفكير والمنطق القويّ، فإبراهيم قويّ المنطق والحجّة، شديد الذكاء، سريع البديهة، يتفكّر ويحلل ويجادل بالحق، وهو كان من أوائل البشرية ممن ترقّى بفكره الى هذا المستوى العلمي في التفكير والتدبّر في الخلق من حوله وفي السماء، حتى وصل الى منهاج – أقول – وكما لو أنه تم ارسال رسالة اليه من الله !
فما توصّل اليه ابراهيم، في ذلك الزمن القديم، الفقير بالمعلومات، قليل مصادر العلم، كثير الطغيان والفسوق من حوله، هو ريادة وحركة انطلاق التفكير البشريّ الحرّ للوصول الى نتائج تتطابق مع ما وصى الله به الأنبياء والرسل،بتأكيد الله تعالى على كون ابراهيم بهذا، إماما للناس!
فالأئمة هم من يضعون مناهج فكرية للناس، سيئة كانت أو حسنة، يتبعها الناس من بعدهم، ومنه كان فرعون ومن حولة أئمة يدعون للنار، بفكرهم الطاغي الظالم الذي يفرّق الناس الى شِيَعٍ، ويستعبد الأحرار منهم.
وكم من فرعون في زمننا الحاضر؟!
وبتوصل ابراهيم الى منهاج متفق تماما مع ما انزل الله على أنبيائه ورسله، لوحده، اتخذه الله خليلا!
بل وأمر النبيّ محمدا وأمرنا معه بأن نتبع ملة ابراهيم، فسماها باسمه تكريما له، لكونه توصل اليها لوحده، وهي ملة التدبّر والتفكّر والمنطق وعقل الأمور، وليست بملة الاتباع الأعمى للآباء والأجداد !
فإبراهيم كان هو الشخص الذي ملأ الفجوة بين السماء والأرض ! أي من توصل الى منهاج متفق تماما مع ما أنزل وشرع الله تعالى للناس!
( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًۭا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌۭ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَ ٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَ ٰهِيمَ خَلِيلًۭا ) النساء – 125
فالأخلاء هم من يتفقون مع بعضهم البعض على منهج فكريّ واحد!
( ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ ) الزخرف – 67
لهذا نجد أن الخليل لا علاقة له بالصاحب ولا الصديق ولا القرين، فالخليل قد يكون خليل سوء وقد يكون خليل حُسنٍ، بينما القرين دائم الملازمة للسوء، لا يأتي منه خير، وهو من الملازمة الشخصية، غير الخليل، الذي لا تؤثر المسافات فيه!
فقد أكون خليلا لشخص لم أره في حياتي، ويبعد عني مسافات شاسعة، في النصف الاخر من الأرض، لكن قريني يلازمني ويصاحبني، من حولي من أصدقاء السوء وشياطين الإنس.
القرين ....الخليل
قرين
بشكل عام، مبدئيا، يمكننا القول بعموم، أن القرين هو صديق السوء،أي هو الذي يلازمك ممن حولك من الأشخاص، من أصحاب السوء، الذين لا يريدون لك خيرا.
فالقرين، لا علاقة له كما ادّعى التراث، بالغيبيات ممن لا نرى من مخلوقات، فالخبيثين للخبيثات، والطيبين للطيبات، ومن يعش عن ذكر الرحمن يقيض له قرينا من صنفه، وهذا أمر بديهي اتفقت عليه البشرية حتى في أمثالها، فكل يقع على شاكلته، وهذا هو مدلول القرين في القرءان الكريم، فالقرين هو من يلازمك من أصدقاؤك لغة، وهو شيطان الإنس، ولا ينصحك الا بالسوء، وهذا نجده في كل الآيات التي تتحدث عن القرين، والآيات التي تفصل ماهيّة القرين هي في قوله تعالى :
( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ يَتَسَآءَلُونَ * قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌۭ * يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ * أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ * فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ * قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ ) الصافات – 50:57
فقرين السوء، هو من شياطين الإنس ممن حولنا من المعارف والأصدقاء، وبالذات هو صديق ومعرفة السوء الذي يزيّن لنا السوء على أنه الحقّ، فوظيفتهم هي الصدّ عن السبيل، كما أغلب من حولنا من المفتريين على الله الكذب، الذين يبعدوننا عن القرءان الكريم، الى تراث لا أصل له ولا أحقيّة، مختلف متضارب متنوع التضارب، فيه من كل أصناف الإختلاف :
( وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَـٰنًۭا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٌۭ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ * حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَـٰلَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ * وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ) الزخرف – 36:39
وبالطبع يوم الحساب سيفرّ المرء من أخيه وصاحبته التي تؤويه، فكيف من قرين السوء الذي أغواه وأضله عن سواء السبيل، ومنعه من اتباع الحق، بل هم سيبقون يختصمون حتى بعد الحساب :
( وَقَالَ قَرِينُهُۥ هَـٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍۢ * مَّنَّاعٍۢ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍۢ مُّرِيبٍ * ٱلَّذِى جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُۥ وَلَـٰكِن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍۭ بَعِيدٍۢ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا۟ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ ) ق – 23:29
والحديث أبدا ليس عن جنّ التراث كما ادعوا، والذي لن نجد له في القرءان دليلا عليه، فالشياطين هنا هي شياطين نعلم من هم، ومنهم متخفيين منافقين لا نعلم بهم، يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول إذا خلا بعضهم إلى بعض :
( وَكَذَ ٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّۭا شَيَـٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ) الأنعام – 112
( وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ) البقرة – 14
فبكل وضوح نرى أن الله وصف بعض منهم بشياطين، وهم قرناء السوء لهم، فالقرين من الاقتران بالشيء، أي ملازمتهملازمته
خليل
الخليل فهو الذي يتفق معك فكريّا فيما تتخذه من اعتقاد أو شريعة ! ولا علاقة لها بمفردة الصداقة أبدا !
فكل مشكلتنا في الفهم التراثي العقيم، الذي اتكأ على سيبويه، والذي جعل من المفردات مترادفات، فأصبح حسب فهمهم العقيم، أن الله يتخذ أصدقاء من البشر أعزاء عليه كما افتروا عليه، سبحانه عما يصفون.
فالخليل في القرءان هو من تتفق معه في المنهاج سواءا كان المنهاج سيئا أم حسنا، من الله أم من الشياطين، فمن تتفق معه في منهاجه يكون خليلك، أي الذي يملأ الفراغ بينك وبينه بالفكر والمنهاج.
بترتيل الآيات لنرى ماهيّة الخليل كما يجب أن تكون مفصّلة في القرءان، الذي لم يفرّط من شيءٍ لكي يُحِقّ الحقّ ولو كره اللّاغون في القرءان الكريم، وأقرب الآيات التي تفصّل طبيعة وماهيّة الخليل هي في قوله تعالى :
( وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًۭا * وَإِن كَادُوا۟ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُۥ ۖ وَإِذًۭا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلًۭا * وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـًۭٔا قَلِيلًا * إِذًۭا لَّأَذَقْنَـٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًۭا ) الإسراء – 72:75
( وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلًۭا * يَـٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًۭا * لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِى ۗ وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِلْإِنسَـٰنِ خَذُولًۭا * وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَـٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِى ٱتَّخَذُوا۟ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ مَهْجُورًۭا ) الفرقان – 27:30
في مورد الإسراء، نرى بكل وضوح، أن النبي عليه السلام كاد أن يركن الى من حوله من المشركين شيئا قليلا، لولا أن ثبته الله تعالى، وهذه العملية، أي أن يركن إليهم، تكون حسب قوله تعالى بأن ( لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُۥ )، وهي العملية التي ينتج عنها اتخاذهم للنبي خليلا !
هنا يجب أن نتوقف ونتدبر الآيات جيدا، فكون النبي خليلا لهم لا يكون الا بافتراءه على الله، بتغيير ما أوحي إليه، أي بتغيير منهج القرءان الى منهج يناسب من حوله، فيكون متفقا معهم فكريا فيما يدّعونه، ويخالف القرءان الوحي، فلو افترى على الله بغير ما أوحي إليه لكان خليلا لهم، أي متفقا معهم في منهجهم وما يعتنقوه من فكر.
فالخليل من آيات الإسراء، حسب تفصيل الله تعالى، يكون نتاج اتفاق منهجي موحّد بين طرفين.
وكذلك في آيات الفرقان، فهنالك اتجاهان فكريان، تم طرحهما، ( مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلًۭا ) و ( هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ مَهْجُورًۭا )، فالظالم كان أمامه وما زال حتى يومنا هذا خيارين، أن يتخذ مع الرسول سبيلا باتباع القرءان وعدم هجره، أو أن يتخذ سبيل الغيِّ من سبل الشياطين، فيكون لهم خليلا !
فاتخاذه ( فُلَانًا خَلِيلًۭا ) نتاجه أن فلانا ( أَضَلَّنِى عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْجَآءَنِى )، أي من بعد علم بمنهج أخر، فتركه الى منهج السوء والضلال!
ولا علاقة للصداقة هنا بشيء، فالأخلاء يوم الحساب بعضهم لبعض عدو الا من اتقى، لكونهم متفقين في المنهج الذي هم فيه، بغض النظر صاحبوا بعضهم البعض أم لا، فبمجرد اتفاقك مع فلان بمنهجه الفكري تكون خليلا له، كما ولو، ركن النبيّ عليه السلام اليهم، فلو فعل ذلك لأتخذوه خليلا، وهذا لا علاقة له بالصاحب والصديق كما ادّعى البعض، وإلا أصبح في القرءان اختلاف حين يقول تعالى عن المشركين والنبي بكونهم من أصحابه ( وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ ) التكوير – 22 ، فالصاحب لا علاقة له بالخليل لا من قريب ولا من بعيد، فكل مفردة لها مدلولها .
الخليل هو من يتفق معك في منهجك الفكريّ لغة، أو في اتباع السبيل السويّ السليم الحنيف كما في ابراهيم، وهو من المبدعين في مليء هذا الفراغ بين السماء والأرض!
فإبراهيم، عليه السلام، لم يأته رسالات، وعبد القمر والشمس، بعد أن استنكر عبادة الحجارة الصغيرة التي نصنعها بأيدينا، ومن ثم عرف بوجود خالق لكل هذا الكون، يختلف عن كل خلقه، فوصل الى الله بدون وحي ولا رسالة، بل بالتفكير والمنطق القويّ، فإبراهيم قويّ المنطق والحجّة، شديد الذكاء، سريع البديهة، يتفكّر ويحلل ويجادل بالحق، وهو كان من أوائل البشرية ممن ترقّى بفكره الى هذا المستوى العلمي في التفكير والتدبّر في الخلق من حوله وفي السماء، حتى وصل الى منهاج – أقول – وكما لو أنه تم ارسال رسالة اليه من الله !
فما توصّل اليه ابراهيم، في ذلك الزمن القديم، الفقير بالمعلومات، قليل مصادر العلم، كثير الطغيان والفسوق من حوله، هو ريادة وحركة انطلاق التفكير البشريّ الحرّ للوصول الى نتائج تتطابق مع ما وصى الله به الأنبياء والرسل،بتأكيد الله تعالى على كون ابراهيم بهذا، إماما للناس!
فالأئمة هم من يضعون مناهج فكرية للناس، سيئة كانت أو حسنة، يتبعها الناس من بعدهم، ومنه كان فرعون ومن حولة أئمة يدعون للنار، بفكرهم الطاغي الظالم الذي يفرّق الناس الى شِيَعٍ، ويستعبد الأحرار منهم.
وكم من فرعون في زمننا الحاضر؟!
وبتوصل ابراهيم الى منهاج متفق تماما مع ما انزل الله على أنبيائه ورسله، لوحده، اتخذه الله خليلا!
بل وأمر النبيّ محمدا وأمرنا معه بأن نتبع ملة ابراهيم، فسماها باسمه تكريما له، لكونه توصل اليها لوحده، وهي ملة التدبّر والتفكّر والمنطق وعقل الأمور، وليست بملة الاتباع الأعمى للآباء والأجداد !
فإبراهيم كان هو الشخص الذي ملأ الفجوة بين السماء والأرض ! أي من توصل الى منهاج متفق تماما مع ما أنزل وشرع الله تعالى للناس!
( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًۭا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌۭ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَ ٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَ ٰهِيمَ خَلِيلًۭا ) النساء – 125
فالأخلاء هم من يتفقون مع بعضهم البعض على منهج فكريّ واحد!
( ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ ) الزخرف – 67
لهذا نجد أن الخليل لا علاقة له بالصاحب ولا الصديق ولا القرين، فالخليل قد يكون خليل سوء وقد يكون خليل حُسنٍ، بينما القرين دائم الملازمة للسوء، لا يأتي منه خير، وهو من الملازمة الشخصية، غير الخليل، الذي لا تؤثر المسافات فيه!
فقد أكون خليلا لشخص لم أره في حياتي، ويبعد عني مسافات شاسعة، في النصف الاخر من الأرض، لكن قريني يلازمني ويصاحبني، من حولي من أصدقاء السوء وشياطين الإنس.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق