الجمعة، 29 مايو 2015

الصحابه والتراث ...1


المشهور أن أبا بكر هو صاحب النبى فى الغار فى قوله جل وعلا : ( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ) (40)( التوبة ). ونتدبر ألاية الكريمة بالاستعانة بالله
1 ـ ليس حقيقة قرآنية إيمانية كون أبى بكر هو صاحب النبى عليه السلام المقصود فى هذه الآية ، الحقيقة الايمانية المُطلقة القرآنية هى قوله جلّ وعلا (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ )، أى كان هناك صاحب للنبى فى الغار دون تحديد إسمه . من يُنكر قوله جل وعلا ( إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِه ) يكفر بالقرآن الكريم . أما كون هذا الصاحب فلانا أو غيره فهذا يدخل فى الحقائق التاريخية النسبية ، وهى قضية علمية تاريخية موضعها مجال البحث التاريخى . وبناء عليه لو قلت إن صاحب النبى فى الغار كان ( عمر بن الخطّاب أو عمر بن عبد العزيز ) فلن تكون كافرا ، لكن تكون جاهلا بالتاريخ .
2 ـ لم يقل جلّ وعلا : ( إذ يقول لصاحبه فى الغار ) لأن المعنى هنا هو قصر الصحبة على وقت الاختفاء فى الغار ، وهذا مخالف لمعنى الصاحب . فطبقا للقرآن الكريم فإنّ الصاحب هو الملازم فى الصحبة مدة طويلة تصل الى سنين فى نفس المكان والزمان ، مثل قول يوسف لصاحبيه فى السجن frown emoticon يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ (39)(يوسف )، فهنا صُحبة إجبارية فى السجن استمرت سنينا . ويقول جل وعلا عن عذاب الآخرة:( يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12)(المعارج ).(الصاحبة ) هنا هى الزوجة التى تدوم عشرتها لزوجها، تصحبه فى الزمان والمكان سنين طويله كالابن والأخ وليست مجرد زوجة تزوجها وانفصل عنها بعد مدة يسيرة ، بل صاحبته فى مسيرة حياته . وبالتالى فإن قوله جل وعلا عن أبى بكر (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ) يفيد دوام صُحبة أبى بكر للنبى عليه السلام سنين طوالا ، خصوصا حين نتذكر الفارق الزمنى بين الاختفاء فى الغار وبين وقت نزول هذه الآية قبيل موت النبى عليه السلام .
3 ـ هذا الصاحب المُلازم للنبى لا يشير رب العزة فى الآية الكريمة الى هدايته وتقواه ، فلم يقل (إذ يقول لصديقه)، لأن (الصديق) من (الصدق ). و(الصديق) مصطلح قرآنى ورد مع الأقارب الذين يجوز الأكل عندهم( النور61 ).ولو كان أبوبكر صديقا صادقا للنبى مستحقا للقب (الصديق الصادق ) لقال جل وعلا ( إذ يقول لصديقه ) . ولو قالها رب العزّة يصف أبا بكر بالصدق فستكون له شهادة الاهية بالصدق فى الايمان بالاسلام . ولكن إكتفى بوصفه بالصاحب وحرمه من وصف ( الصديق ). ثم جاء أئمة الدين السّنى ولم يكتفوا بوصف أبى بكر بأنه ( صديق ) النبى ، بل جعلوا لقبه ( الصّدّيق ).!
4 ـ ولقد قال النبى لصاحبه frown emoticon إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)، وكان السياق أن يُقال بعدها frown emoticon فانزل الله سكينته عليهما وأيدهما ) ، أى يكون الكلام عنهما معا فقد كانا معا إثنين فى الغار والحديث عنهما معا بالمثنى (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )،ولكنّ عند الحديث عن السكينة والتأييد الالهى تمّ حرمان أبى بكر منها ، وجاء هذا مقصورا على النبى دون صاحبه : (فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ). وهذا يشير بقوّة الى أن الصفة المشتركة بين النبى وصاحبه أبى بكر هى مجرد الصحبة فقط ، دون الصدق والتأييد الالهى .
5 ـ ثم ، إن مصطلح الصاحب يأتى فى القرآن ـ غالبا ـ بين المختلفين فى العقيدة . جاء مرة واحدة فى القرآن الكريم يفيد المشاركة فى نفس العقيدة فى قوله جلّ وعلا عن ثمود وصاحبهم الذى عقر الناقة: (فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29)( القمر ). وما عداه يأتى مصطلح الصاحب فى سياق الاختلاف العقيدى بين الصاحبين فى الايمان والكفر ، كقوله جل وعلا :(فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (37)( الكهف ).فهنا إثنان من الأصحاب أحدهما كافر والآخر مؤمن ، وكلاهما يعبّر عن عقيدته لصاحبه .
6 ـ الأكثر تأكيدا هو وصف النبى محمد عليه السلام بأنّه كان صاحبا للملأ المشركين برغم التناقض العقيدى بينهما. وقد إتّخذ رب العزة من صُحبة النبى للمشركين حُجّة عليهم . فمن خلال صُحبته لهم كانوا يعرفون رجاحة عقله ، لذا قال جلّ وعلا عنهم frown emoticon أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (184)الاعراف)
نخلّص مما سبق الى أن وصف أبى بكر بالصاحب تعنى طُول صحبته للنبى ، ولكنها ليست دليلا على هدايته ، بل تومىء الآية الى غير ذلك . ونستفيد منها أن الله جلّ وعلا لم يُعط أبا بكر تزكية بالهداية وهو فى أواخر حياته ، لأن الآية فى سورة التوبة التى نزلت قبيل موت النبى عليه السلام ، أى كان أبو بكر وقت نزولها فى أواخر عمره ، ثم مات بعدها بحوالى ثلاث سنوات. وفى السنتين الأخيرتين من عمره كان مسئولا عن فاجعة الفتوحات. من هنا نفهم تلك الإشارة التى تومىء الى أنه مجرد صاحب للنبى ، ضمن صحبة النبى لمشركين غيره ....يتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق