الجمعة، 29 مايو 2015

حروب الرده وحد الرده المزعوم ..وكيف تم تأليفه 2


التأليف بين الاوزاعي وعكرمه
- يقوم حد الردة المزعوم على مجرد حديثين روى أحدهما عكرمة مولى ابن عباس والآخر أعلنه الأوزاعى بدون سند وبدون رواة فى موقف عصيب.. ثم ما لبث أن رواه مسلم فى "صحيحه" بعد أن منحه السند والعنعنة..
- ونبدأ بالأوزاعى ودوره فى اختراع حديث الردة القائل "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزانى، والتارك لدينه المفارق للجماعة".
- لقد عاش الأوزاعى فى الدولة الأموية وناصرها وخدمها ثم أدرك الدولة العباسية ومالأها وخدمها أيضاً.. ووجدت فيه الدولتان الأموية والعباسية خير من يمثل فقيه السلطة الذى يفتى لها بما تريد، لذلك عاش مكرماً فى عهد الأمويين، فما جاء أعداؤهم العباسيون يفتكون بالأمويين وعملائهم ظهر لهم الأوزاعى يعرض خدماته، فعفوا عنه لأنهم فى حاجة ماسة له.. فتمتع بالنعيم العباسى بعد أن تمتع بالنعيم الأموى..
إن الأمويين فى بداية الأمر لم يحتاجوا إلى فقهاء السلطة، فمعاوية لم يحتج فتوى حين قتل حجر بن عدى الكندى بسبب كلمة قالها، ولم يحتج معاوية لاتهام حجر بالردة أو إلى مبرر يتمسح بالشرع كى يقتله، وبزيد بن معاوية لم يحتج إلى فتوى حين قتل الحسين وآله فى كربلاء، ولم يحتج إلى فتوى تبيح غزو المدينة وانتهاك حرمتها، ولم يحتج إلى فتوى تبيح له حصار مكة وانتهاك حرمة الكعبة وضربها المجانيق..
إلا أن تلك الفظائع التى حدثت فى سنوات متتالية تركت أثراً هائلاً لدى المسلمين استغله بنجاح أعداء الأمويين من الشيعة والخوارج والموالى.. ولم يعد مجدياً أمام الجهاز الدعائى الأموى تبرير مقتل آل البيت وانتهاك حرمة مكة والمدينة بمجرد القصص والروايات، وكان القصص من المهام الرسمية فى الدولة الأموية ويمثل جهاز الإعلام فى عصرنا..
وكانت الطريقة الوحيدة هى التمسح بالمشيئة الإلهية، وذلك ما يفعله الظالم والعاصى فى تبرير ظلمه وعصيانه.. وهكذا بدأت الدعاية الأموية تتخذ مجرى جديداً يقول أن الله شاء أن يموت الحسين وآله قتلى فى كربلاء، وأن مشيئة الله اقتضت أن تنتهك حرمة البيت الحرام والمدينة. وإن الاعتراض على ذلك اعتراض على مشيئة الرحمن وخروج على الإسلام ويستحق القتل..
وبذلك بدأ القول بالجبرية ليبرر مظالم الأمويين السابقة واللاحقة.
وبدأ حسن البصرى فى مقاومته تلك الدعوى بطريقة لينة خوفاً من الحجاج. إلا أن الحسن البصرى تشجع حين ظهر معبد بن خالد الجهنى وقال معلناً مقالته المشهورة "لا قدر والأمر أنف" ليرد على دعاوى الأمويين بأن ظلمهم يسير بقدر الله ومشيئته فقال معبد الجهنى أنه لا دخل لقدر الله فى تلك المعاصى وأن أمور الأمويين تجرى بالإكراه والاستبداد والظلم رغم أنوف المسلمين أى "لا قدر والأمر أنف".
وانتقل معبد الجهنى إلى البصرة وقابل الحسن البصرى وقال له: يا أبا سعيد هؤلاء الملوك يسفكون دماء المؤمنين ويأخذون أموالهم ويقولون إنما تجرى أعمالنا على قدر الله، ورد عليه الحسن البصرى: "كذب أعداء الله" وقد شارك معبد فى ثورة ابن الاشعث على الحجاج الثقفى وأسره الحجاج ومات تحت التعذيب بعد سنة 80 هـ.
وسمى مذهب معبد الجهنى بالقدرية التى تعنى مذهب الإرادة الحرة ومسئولية الإنسان عن أعماله، واشتق اسم القدرية من قول معبد "لا قدر والأمر أنف".
وحمل راية القدرية بعد الجهنى غيلان الدمشقى الذى انضم إلى الثائرين على الخليفة هشام بن عبد الملك، وأسره الأمويين وسجنوه . وكان غيلان الدمشقى من الفصحاء فاجتذب الكثيرين من الأتباع، لذا خشى هشام من قتله بدون محاكم فسلط عليه الأوزاعى فقيه الأمويين فى دمشق ودارت مناقشة أو محاكمة أفتى بعدها الأوزاعى لهشام بأن يقتل غيلان وصاحبه المسجون معه، وحتى ذلك الوقت لم يذكر الأوزاعى حديث الردة فأمر هشام بإخراجهما من السجن وقطع أيديهما وأرجلهما ثم قطع لسان غيلان فمات .
وهنا نتوقف مع الأوزاعى ونشأته فى ظل الدولة الأموية وخدمته لها ثم لأعدائها العباسيين فيما بعد.
ولد عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الأوزاعى فى بعلبك سنة 115 ونشأ بالبقاع فى حجر أمه وكانت تنتقل به من بلد إلى بلد، وتأدب أى تعلم بنفسه، وقد كان شديد الطموح، وقد أدرك أن طريقه للوصول للجاه تأتى عن طريق الشهرة بين الناس والتزلف لبنى أمية، وإذا كان صعباً على الفقيه فى العراق أن يحظى بحب الناس مع حب بنى أمية، حيث تسود الكراهية للأمويين، فإن الوضع فى الشام مختلف، إذ أن أهل الشام هواهم مع الأمويين، لذلك كان سهلاً على الأوزاعى أن يحصل على الحظوة الشعبية والحظوة الأموية معاً.
وكان من السهل على الأوزاعى أن يستميل إليه أفئدة الناس بادعاء الزهد وسبك الكرامات- قبل ظهور التصوف بقرن من الزمان، وكان الرأى العام يحتفل بالزهاد ويحضر مجالسهم، وكان الأمويين فى نفس الوقت يحتاجون إلى وجود شيخ شعبى يقدم لهم إلى جانب الفتوى الملائمة المسوغ الشرعى لحكمهم الظالم، واستغل الأوزاعى تشوق المجتمع لقصص الزهاد والصالحين فأسرف فى تأليف الكرامات والوحى لنفسه فيقول "رأيت رب العزة فى المنام فقال أنت الذى تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فقلت بفضلك يا رب، ثم قلت: يا رب أمتنى على الإسلام، فقال: وعلى السنة" فهنا وحى كاذب يدعيه الأوزاعى لنفسه ويقبله منه عصره، وقد سبق به الأوزاعى ما قاله الصوفية بعده بقرن من الزمان، وهو فى ذلك المنام الذى ادعاه يجعل رب العزة يزكيه ويمدحه. وقد أشاعوا أن بعض الناس رأى مناماً يقال فيه "أن الأوزاعى خير من يمشى على الأرض" وتنتهى الأسطورة بادعاء أن من رأى هذا المنام لابد أن يموت، حتى لا يوجد الدليل على تلك الرؤيا أو تلك الدعوى أو ذلك المزعم.
وكان واضحاً أن الأوزاعى يقوم بهمة القصص. تلك المهنة التى ابتدعها الأمويين وجعلوا لها ديواناً رسمياً يبثون من خلاله دعايتهم وبياناتهم السياسية والدينية، وفى إحدى تلك المجالس حكى الأوزاعى عن نفسه قال "أردت بيت المقدس، فرافقت يهودياً فلما صرنا إلى طبرية، نزل فاستخرج ضفدعاً فوضع فى عنقه خيطاً فصار الضفدع خنزيراً، فقال أبيعه إلى هؤلاء النصارى، فذهب فباعه واشترى طعاماً فأكلناه ثم ركبنا، فما سرنا، غير بعيد حتى جاء القوم يطلبوننا، فقال لى: أحسبه صار فى أيديهم ضفدعاً، فحانت منى التفاته إليه فإذا بدنه فى ناحية ورأسه فى ناحية، فوقفت وجاء القوم فلما نظروا إليه فزعوا ورجعوا عنه فقال لى الرأس: أرجعوا؟ قلت نعم. فالتأم الرأس إلى البدن وركب وركبنا فقلت له لا أرافقك أبداً أذهب عنى".
وتلك الأسطورة لو قالها شخص عادى لاستحق السخرية من الناس ولكن حين يقولها شيخ يحظى بتصديق الناس له واعتقادهم فى دينه فلابد أن يصدقوه..- وقد استطاع الأوزاعى أن يقنع الناس بتقواه فوصفوه بأنه كان من شدة الخشوع كأنه أعمى وقالوا "أنه كان يعظ الناس فلا يبقى أحد فى مجلسه إلا بكى بعينه أو بقلبه وما رأيناه يبكى فى مجلسه قط، وكان إذا اختلى بكى حتى يرحمه الناس" فكيف يبكى فى خلوة وكيف يرحمه الناس وهم لا يرون بكاءه..
والمستفاد من ذلك أن هناك من يشيع تلك الأخبار عن الأوزاعى حتى يعتقد الناس فى خشوعه وخوفه من الله. وكانت زوجته من ضمن فريق الدعاية، فقد دخلت امرأة عليها فرأت الحصير الذى يصلى عليه الأوزعى مبلولاً فقالت المرأة لعل الصبى تبول هنا؟ فقالت لها زوجة الأوزاعى: هذا أثر دموع الشيخ فى سجوده وهكذا يصبح كل يوم!!
ولذلك كان الأوزاعى فى الشام معظماً مكرماً كما يقول المؤرخ الشامى ابن كثير وكان أمره أعز عندهم من أمر السلطان، وقد أمر الوالى العباسى عبد الله بن على بعد القضاء على الأمويين بأن يقتل الأوزاعى باعتباره من عملائهم فقال له أصحابه دعه عنك والله لو أمر أهل الشام أن يقتلوك لقتلوك..
وقد حكى ابن كثير قصة ذلك اللقاء بين الأوزاعى والقائد العباسى عبد الله بن على عم الخليفة السفاح والجبار الذى أباد بنى أمية بالشام، يقول ابن كثير عن الأوزاعى "كان له فى بيت المال على الخلفاء إقطاع ـ اى ارضا زراعية أقطعوها له أى أعطوها له ـ صار له من بنى أمية وقد وصل إليه من خلفاء بنى أمية وأقاربهم وبنى العباس نحو السبعين ألف دينار".
أى استفاد من الدولتين أعطوه الإقطاعيات والزراعية والأموال.
ويقول ابن كثير "ولما دخل عبد الله بن على- عم السفاح أول خليفة عباسى- الذى أجلى بنى أمية عن الشام وأزال الله سبحانه وتعالى دولتهم على يده دمشق فطلب الأوزاعى فتغيب عنه ثلاثة أيام ثم حضر بين يديه".
أى أن القائد العباسى بعد أن أقام مذابح للأمويين وبعد أن نبش قبور الموتى من الخلفاء السابقين منهم، وبعد أن نكل بأعوان الأمويين استدعى الأوزاعى، فاختفى الأوزاعى ثلاثة أيام ثم حضر بين يديه وقد أعد ما سيقوله فى ذلك اللقاء العصيب لينجو برقبته من جبار بنى العباس وعم الخليفة السفاح نفسه.
وينقل ابن كثير رواية الأوزاعى نفسه عن ذلك اللقاء "قال الأوزاعى دخلت عليه وهو على سريره وفى يده خيرزانه والمسودة- أى القادة العباسيون وكانوا يلبسون السواد- عن يمينه وشماله معهم السيوف مصلته والعمد الحديد- أى الأعمدة الحديدية- فسلمت عليه، فلم يرد، ونكت بتلك الخيرزانة التى فى يده، ثم قال: يا أوزاعى ما ترى فيما صنعناه من إزالة أيدى الظلمة عن العباد والبلاد، أجهاداً ورباطاً هو؟ فقلت: يا أيها الأمير سمعت يحيى بن سعيد الأنصارى يقول: سمعت محمد بن إبراهيم التيمى يقول: سمعت علقمة بن وقاص يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله يقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه". قال الأوزاعى فنكت بالخيزرانة أشد مما كان ينكت، وجعل من حوله يقبضون أيديهم على قبضات سيوفهم ثم قال: يا أوزاعى ما تقول فى دماء بنى أمية؟ فقلت: قال رسول الله: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزانى، والتارك لدينه المفارق للجماعة" قال الأوزاعى: فنكت بها أشد من ذلك ثم قال: ما تقول فى أموالهم فقلت: إن كانت فى أيديهم حرام فهى حرام عليك أيضاً وإن كانت لهم حلالاً فلا تحل لك إلا بطريق شرعى، قال: فنكت أشد مما كان ينكت قبل ذلك ثم قال: ألا نوليك القضاء؟ فقلت: أن أسلافك لم يكونوا يشقون على ذلك وإنى أحب أن يتم ما ابتدأونى به من إحسان، فقال: كأنك تحب الانصراف؟ فقلت: إن ورائى حرماً محتاجون إلى القيام عليهم وسترهن وقلوبهن مشغولة بسببى . قال الأوزاعى وانتظرت رأسى أن يسقط بين يدى، فأمرى بالانصراف فلما خرجت إذ برسوله من ورائى وإذا معه مائتا دينار، فقال: يقول لك الأمير استنفق هذه، قال الأوزاعى: فتصدقت بها، وإنما أخذتها خوفاً، وقال الراوى عن الأوزاعى، وكان فى تلك الأيام، الثلاثة صائماً، فقال إن الأمير لما بلغه ذلك عرض عليه الفطر عنده فأبى أن يفطر عنده.
اخترنا أن ننقل هذه الرواية الطويلة التى يحكيها الأوزاعى عن نفسه، وقد عرفنا جرأته على الكذب والاختلاق، ولكنها مع الشك فى بعض أجزائها إلا أنها تعطينا مشاعر الخوف لدى الأوزاعى، ذلك الخوف الذى لا يتفق مع تلك الردود الجريئة للأوزاعى خصوصاً وهو فقيه من فقهاء السلطة السابقة يريد أن ينجو من السلطة القادمة وقسوتها فى الانتقام، ولذلك لا نتصور أن يواجه جبار بنى العباس عبد الله بن على بأن يقول له مثلاً عن الأموال التى سلبها من الأمويين أن كانت فى أيديهم حراماً فهى حرام عليك أيضاً وإن كانت لهم حلالاً فلا تحل لك إلا بطريق شرعى.
إلا أن ذلك الخوف يفرض على فقيه من نوعية الأوزاعى أن يختفى أياماً يجهز فيها دفاعه عن نفسه وتملقه للسلطة الجديدة واستعداده لخدمتها وذلك بشتى الطرق، وإن كان قد جرؤ على أن يدعى أنه يرى الله تعالى فى المنام ويجعل رب العزة يزكيه ويمدحه فإن من السهل عليه أن يدعى حديثاً نبوياً يخترعه اختراعاً يبيح به للسلطة العباسية أن تقتل خصومها بتهم ثلاث: القصاص، والزنا بعد إحصان والخروج عن الجماعة والدين..
ويلاحظ أن الأوزاعى ذكر حديث "إنما الأعمال بالنيات" وحرص على أن يذكر إسناده وروايته بالتفصيل ولكنه حينما ذكر حديث الردة "لا يحل دم امرئ مسلم" فإنه لم يذكر له إسناداً لأنه لم يكن إسناد حتى ذلك الوقت أو بمعنى آخر لم يكن حديثاً على الإطلاق وإنما اختراع حديث قدمه الأوزاعى هدية يبرهن به للسلطة الجديدة على استعداده لخدمتهم.
قد ظلت هيبة الأوزاعى فى الشام تحتل قلوب أهله حتى أن الذهبى فى كتابه "ميزان الاعتدال" تحرج من نقد الأوزاعى فى ترجمته له واكتفى بأن يقول عن مسرور بن سعيد رواية الأوزاعى "غمزه أى هاجمه وطعن فيه- ابن حيان، فقال: يروى عن الأوزاعى المناكير الكثيرة..
أى أن الأوزاعى يروى أحاديث منكرة..
وأفظعها حديث الردة "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزانى، والتارك لدينه المفارق للجماعة".
لأنه أعطى اثنين من المبررات لقتل النفس لا تستحق القتل، وقد وافق ذلك هوى الدولة العباسية لأنها بهذا الحديث المفترى وجدت غطاءاً تشريعياً للتخلص من خصومها الأمويين ثم الفرس.
قد جاءت الدولة العباسية بمفهوم جديد للسلطة يخالف المفهوم الأموى، فإذا كانت الدولة الأموية تعول أساساً على قانون القوة فإن العباسيين الذين وصلوا للحكم تحت ستار الدعوة للرضى من آل محمد أو تحت شعار أنهم آل البيت كان لهم مفهوم جديد للسلطة هو قانون الشرع. فالخليفة الجديد يحكم بالسلطة الإلهية المستمدة من كونه من آل بيت النبى، والخليفة المنصور العباسى خطب يوم عرفة فقال: "يا أيها الناس إنما أنا سلطان الله فى أرضه أسوسكم بتوفيقه ورشده وخازنه على فيئه أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه ".
ولذلك فإن استئصال الأمويين فى السنوات الأولى للحكم العباسى كان بفتوى وحديث الردة الذى يحل دم المسلم بإحدى ثلاث وكلها تنطبق على فلول بنى أمية، فقد قتلوا آل البيت فى كربلاء وقتلوا كل ثائر من ذرية الحسين وآخر ضحاياهم كان إبراهيم المهدى صاحب الدعوة العباسية الذى قتله مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين فى الشام.. إذن ينطبق عليهم من وجهة نظر العباسيين قاعدة النفس بالنفس، ثم انهمك الأمويون فى عصرهم الأخير فى المجون والانحلال الخلقى وكان رائدهم فى ذلك بعض الخلفاء الأمويين مثل يزيد بن معاوية ويزيد بن عبد الملك والوليد بن يزيد ، أى كان من السهل اتهامهم بالزنا بعد إحصان، ومن السهل أيضاً اتهامهم بترك الدين ومفارقة الجماعة خصوصاً وقد اشتهروا بإماتة الصلاة وعدم إقامتها، وكانت صياغة الحديث بهذا الشكل تعبر عن فهم الأوزاعى لمتطلبات السلطة العباسية الجديدة واحتياجاتها فى التخلص من خصومها تحت غطاء شرعى مصطنع والدليل على ذلك رواج حديث الأوزاعى واستخدام السلطة العباسية له فى مواجهة خصومها الجدد وهم الفرس...
فالموالى الفرس هم الذين أعانوا العباسيين على إقامة ملكهم، وكان أبو مسلم الخرسانى وجنده هم القوة الضاربة للعباسيين، وحين جاء وقت توزيع الغنائم والمكاسب السياسية استأثر العباسيون بكل شىء وقتلوا أبا مسلم الخرسانى، فثارت ابنته فى خراسان وظهرت طائفة الأبومسلمية تحارب العباسيين فى شرق فارس، وكان لهم أتباعهم فى بغداد وفى البلاط العباسى، وبينما واجه العباسيون ثورات الموالى فى شرق فارس بإرسال الجيوش الجرارة فإنهم تتبعوا عملاء الثوار فى بغداد وعمدوا إلى التخلص منهم باتهامهم بالردة أو الزندقة، ولذلك نشط الخليفة المهدى العباسى فى تتبع الزنادقة وقتلهم بالتهم الثلاث الواردة فى حديث الأوزاعى، وكانت شهرة الفرس بالانحلال الدينى والأخلاقى مما يساعد على اتهامهم وقتلهم وفقاً لذلك التشيع الأوزاعى. والسطور الأولى فى تاريخ الخليفة المهدى العباسى تؤكد حرصه على إبادة الزنادقة وأنه تتبعهم فى كل مكان. والمهدى هو ابن الخليفة أبو جعفر المنصور، ولهذا لا تعجب إذا أصبحت للأوزاعى حظوة عند الخليفة المنصور العباسى أو بتعبير ابن كثير "وقد أحبه وعظمه".
ولا نعجب أيضاً إذا عامل المنصور العباسى فقيهاً آخر بالاضطهاد والعنت ثم قتله، إنه الإمام أبو حنيفة الذى يعتبر صورة معكوسة للأوزاعى..
لقد نشأ الأوزاعى فى الشام ينتمى إلى العرب ويخدم السلطة الأموية، أما أبو حنيفة فقد نشأ فى العراق منتمياً إلى الفرس ويناوئ السلطة الأموية وجاءت الدولة العباسية وسرعان ما أصلح الأوزاعى شئونه معها وصار صاحب حظوة عند الخليفة المنصور.
أما أبو حنيفة الذى ناوأ الدولة الأموية وتحقق أمله فى القضاء عليها فإنه لم يلبث أن حدثت الفجوة بينه وبين الخليفة المنصور فاضطهده وقتله بالسم.
فى حياته فى الدولة الأموية كان أبو حنيفة يناصر الثورات الشعبية العلوية ضدها ومنها ثورة زيد بن على زين العابدين سنة 121 وانتبهت له الدولة الأموية، وأراد الوالى على العراق ابن هبيرة أن يختبر ولاءه للأمويين لأنه لم يكن لديه دليل واضح على اشتراكه الفعلى فى ثورات العلويين، وفى ذلك الوقت كان العراق يموج بقلاقل ضد الأمويين فجمع ابن هيبرة فقهاء العراق ومنهم أبو حنيفة وأسند لكل واحد منهم عملاً وجعل فى يد أبو حنيفة الخاتم أو السلطة على كل الفقهاء، فلا أمر إلا بإذنه، ووافق الفقهاء على خدمة الدولة ماعدا أبو حنيفة، فهدده ابن هيبرة بالضرب والعذاب فأبى، فقال له الفقهاء: "إنا ننشدك الله أن تهلك نفسك فإنا أخوتك وكلنا كارهون لذلك الأمر" فقال أبو حنيفة: "لو أرادنى أعد له أبواب مسجد واسط لم أدخل فى ذلك، فكيف وهو يريد من أن يكتب دم رجل يضرب عنقه وأختم أنا على ذلك الكتاب؟ فوالله لا أدخل فى ذلك أبداً...!" وأمر ابن هيبرة بضرب أبى حنيفة وحبسه، فلما يأس منه فأطلق سراحه، فهرب أبو حنيفة إلى مكة، وظل فيها إلى أن قامت الدولة العباسية، فجاء للكوفة فى خلافة أبى جعفر المنصور .
- وكان طبيعياً أن تحتفل به الدولة العباسية لمواقفه مع آل البيت ومقاومته للدولة الأموية وكونه من ضحاياها، لذلك قربه الخليفة المنصور وكان يستشيره، إلا أن محاولة المنصور استغلال أبى حنيفة وجبروت المنصور فى التنكيل ببنى عمه العلويين عند ثورة محمد النفس الزكية سنة 145 جعل العلاقة تسوء بين الخليفة والفقيه الحر..
فقد اتهم المنصور أبا حنيفة بأنه يثبط القواد العباسيين عن حرب محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم، وراح المنصور يخطط للإيقاع بأبى حنيفة فى نفس الوقت الذى كان أبو حنيفة يفتى بما يعتقده حقاً وهو يعرف أن الخليفة لا يريد إلا الفتاوى التى تساعده فى حكمه..
كان المنصور قد اشترط على أهل الموصل أنهم إذا ثاروا عليه فإن دماءهم حلال، وثار أهل الموصل سنة 148 فجمع المنصور الفقهاء وفيهم أبو حنيفة وقال لهم: أهل الموصل قد شرطوا ألا يخرجوا علىّ وهاهم قد خرجوا وحلت لى دماؤهم، فقال الفقهاء: إن عفوت فأنت أهل للعفو وإن عاقبت فبما يستحقون، ولكن أبا حنيفة قال: يا أمير المؤمنين ليس لك أن تشترط عليهم سفك دمائهم، أرأيت لو أن امرأة أباحت جسدها بغير عقد نكاح أيجوز لها ذلك؟ فقال الخليفة: لا. وأمر الخليفة بانصراف الفقهاء ثم قال لأبى حنيفة: لا تفت الناس بما هو شين على إمامك فتقوم الثورات وتبسط أيدى الخوارج .
ويلاحظ أن أولئك الفقهاء الذين نافقوا المنصور هم نفس الفقهاء الذين أبدوا استعدادهم لخدمة ابن أبى هبيرة والى العراق للأمويين وكان منهم ابن أبى ليلى وابن شبرمة وابن أبى هند، وكانوا أعلام الفقهاء فى العراق. ومن الطبيعى أن يحقدوا على أبى حنيفة استقلاله واستقامته لذلك استجابوا لدعوة أبى جعفر المنصور فانطلقوا يهاجمون أبى حنيفة ويتهمونه بإنكار الأحاديث، تلك الأحاديث التى اصطنعوها لخدمة السلطة العباسية، وتطرف ابن أبى ليلى فى النيل من أبى حنيفة حتى يقول فيه أبو حنيفة: "إن ابن أبى ليلى ليستحل منى مالا استحله من حيوان"!!
وأتت تلك الحملة ثمارها إذ هيأت الفرصة للمنصور فى اغتيال أبى حنيفة بالسم بعد أن سجنه وضربه مائة وعشرة أسواط سنة 150 هـ .
ولكن ما علاقة ذلك بالأوزاعى.
إن الاختلاف بين الأوزاعى وأبى حنيفة فى الشخصية والسيرة الذاتية والمواقف من السلطة الحاكمة انعكس على المنهج الفكرى لكل منهما..
أبو حنيفة كان حريصاً على صيانة الأنفس والدماء وكان بنفس القدر يرفض الأحاديث الكاذبة وإذا اتهموه بأنه يكذب الأحاديث المنسوبة إلى رسول الله كان يقول: "ردى على كل رجل يحدث عن النبى بخلاف القرآن ليس رداً على النبى ولا تكذيباً، ولكنه رد على من يحدث عنه بالباطل" .
أما الأوزاعى الذى عاصر أبى حنيفة فقد كان يحدث عن الرسول مناكير أى أحاديث ينكرها من يسمعها كما قال الذهبى فى ميزان الاعتدال، وكان يفترى أحاديث عن رب العزة وبنفس القدر كان يفتى للحاكم باستحلال الدماء، كما أفتى لهشام بن عبد الملك الأموى بقتل غيلان الدمشقى، ثم أفتى للعباسيين باستحلال دماء الأمويين، ولذلك عاش فى كنف الأمويين ثم العباسيين، بينما لقى أبو حنيفة الاضطهاد من الأمويين ثم من العباسيين.
ومن الطبيعى أن يحدث تنافر بين أبى حنيفة والأوزاعى.
فالأحاديث التى كان يرويها- أو يفتريها الأوزاعى- كان يرفضها أبو حنيفة، وكانت بينهما مناقشات وحوارات فى رفع الأيدى عند الركوع وعند القيام منه.. وكان أبو حنيفة يقدم الرأى والقياس أى اجتهاده الشخصى على أحاديث الأوزاعى وغيره..
وكان الأوزاعى يرد عليه ويقول: إننا لا ننقم على أبى حنيفة أنه رأى- أى يقول بالرأى- كلنا يرى- أى كلنا يقول بالرأى والاجتهاد- ولكننا ننقم عليه أنه يجيئه الحديث عن النبى فيخالفه إلى غيره .
الأوزاعى يعتقد أنه طالما اخترع حديثاً فقد أصبح حديثاً قاله الرسول، وأبو حنيفة كان يقول فى الرد على الأوزاعى وغيره من فقهاء السلطة "ردى على كل رجل يحدث عن النبى بخلاف القرآن ليس رداً على النبى ولا تكذيباً له ولكنه رد على من يحدث عنه بالباطل"!!.
وصيغة الحديث نرى فيها الصنعة الأوزاعية التى تتيح للدولة العباسية قتل الثائرين عليها من الرجال .فى حديث الأوزاعى الذى ذكره مسلم فهو يتحدث تحديداً عن الرجل الذى هو امرؤ مسلم (يشهد) (الثيب الزانى) (التارك لدينه المفارق للجماعة).
وعليه فإن المرأة لا عقوبة عليها فى الأحوال الثلاثة..
وبالتالى تصبح العقوبات القرآنية التى تحدثت عن النساء لاغيه..!!
ولو رجعنا إلى الظروف التى نطق فيها الأوزاعى بذلك الحديث واخترعه فيها اختراعاً وهو مهدد بالقتل ونساؤه حوله لعرفنا لماذا أسقط النساء من العقوبة، وكان يتمنى أن يفرغ سريعاً من اللقاء مع جبار بنى العباس عبد الله بن على ليعود إليهن وقد قال له عبد الله: كأنك تحب الانصراف؟ فقال: إنى ورائى حرماً وهم محتاجون إلى القيام عليهن وسترهن وقلوبهم مشغولة بسببى..!!
لذلك كانت صيغة الحديث ضد الرجل فقط، أما المرأة فهى تحتاج إلى من يقوم عليها ويسترها ويكفى أن قلبها مشغول على رجلها..تلك هى الحالة النفسية التى كان عليها الأوزاعى حين اخترع الحديث وحين نطق به.
ثم كيف يكون ذلك الامرئ المسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ثم يكون تاركاً لدينه مفارقاً للجماعة؟ إن الحديث يستعمل لفظ المضارع (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله) أى أنه مسلم فى ذلك الوقت وأنه يقر بالشهادة فكيف يكون فى نفس الوقت تاركاً لدينه مفارقاً للجماعة؟.إن الراوى لو استعمل لفظ الماضى فقال (لا يحل دم امرئ مسلم شهد أن لا إله إلا الله..) لقلنا أنه كان يشهد بالإسلام ثم طرأت عليه الردة.. ولكن كيف يكون مرتداً وهو يشهد فى الحال شهادة الإسلام؟..
ثم ما معنى المفارق للجماعة؟
قد يكون لها معنى سياسى، فالتارك للجماعة يساوى فى مصطلحات العصرين الأموى والعباسى أن يكون من الخوارج الثائرين على الجماعة ، ولكن المعنى الدينى لا يتفق وصحيح الإسلام..فالمسلم قد يفارق جماعته وآله وبلده ويتركهم مهاجراً إلى الله تعالى فهل يكون حينئذ مستحقاً للقتل..؟ ....يتبع حديث عكرمه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق